هل يمكن لطريقة تعاملك مع الأفكار والمشاعر غير المرغوبة أن تتنبأ بحالك في العمل بعد عام من الآن؟
في دراسة شملت 412 موظفًا في مركز لخدمة العملاء في المملكة المتحدة، قاس الباحثون «القبول»: أي الاستعداد لمعايشة الأفكار والمشاعر والأحاسيس الجسدية دون الحاجة إلى التحكم فيها أو السماح لها بأن تحدد تصرفاتنا. وتنبّأ القبول بصحة نفسية أفضل وبأداء أفضل في مقياس موضوعي بعد عام، وذلك بما يتجاوز درجة التحكم في العمل ومركز الضبط والميل العام إلى الانفعالات السلبية (Bond & Bunce, 2003).
كانت طريقة تعامل الناس مع المشاعر الصعبة مهمة، بما يتجاوز مدى ميلهم إلى الشعور بها.
والقبول جزء من مهارة أوسع يسميها العلاج بالقبول والالتزام (ACT) المرونة النفسية. يشرح هذا المقال ما هي المرونة النفسية، ولماذا تهم، وأين حدودها، ويقدّم تمرينًا مُختبَرًا يمكنك تجربته.
ما هي المرونة النفسية؟
تعريف
في العلاج بالقبول والالتزام (ACT)، ويُعرف أيضًا بالعلاج بالتقبل والالتزام، تعني المرونة النفسية القدرة على البقاء على تواصل مع اللحظة الحاضرة، بما فيها من أفكار ومشاعر غير مريحة، والاستمرار في التصرف بما يتوافق مع ما هو مهم لك (Hayes et al., 2006).
لا تعني المرونة النفسية أن تشعر بالرضا طوال الوقت أو أن تفرض على نفسك التفكير الإيجابي، بل تعني ألا تسمح للتجارب الداخلية المؤلمة بأن تحدد خطوتك التالية.
وبنظرة أوسع، تشمل المرونة النفسية القدرة على إدراك الظروف المتغيرة والتكيف معها، وتغيير طريقة التفكير أو السلوك حين يكفّ عن النفع، والحفاظ على التوازن بين مجالات الحياة المهمة، والالتزام بسلوك ينسجم مع القيم الراسخة (Kashdan & Rottenberg, 2010).
ونقيضها، أي الجمود النفسي، يظهر غالبًا في صورة التجنب. والتجنب التجريبي هو عدم الرغبة في البقاء على تواصل مع جوانب معينة من التجربة، مثل الاستثارة الجسدية أو الانفعالات القوية. يُبعدنا التجنب عن القلق على المدى القصير، لكنه على المدى الطويل قد يعيق تعلّم المهارات والتقدم والنمو (Kashdan & Rottenberg, 2010).
يمنح التجنب راحة اليوم، لكنه مع الوقت قد يجعل الحياة أضيق.
ما العمليات التي تقوم عليها المرونة النفسية؟
يصف العلاج بالقبول والالتزام المرونة النفسية من خلال ست عمليات مترابطة (Hayes et al., 2006):
- القبول: إفساح المجال للمشاعر بدلًا من مقاومتها.
- الانفصال المعرفي: ملاحظة الأفكار بوصفها أفكارًا، لا حقائق أو أوامر.
- التواصل مع اللحظة الحاضرة: الانتباه لما يحدث الآن.
- الذات بوصفها سياقًا: إحساس بالذات أوسع من أي فكرة أو شعور منفرد.
- القيم: معرفة ما تريد أن تمثله حياتك.
- الفعل الملتزم: اتخاذ خطوات عملية في ذلك الاتجاه، حتى حين يكون ذلك صعبًا.
يمكن تطبيق هذه العمليات الست على موضوعات كثيرة. ومن أمثلتها التسامح، إذ يمكن لكل عملية أن تساعد في التعامل مع الأذى والضغينة.
لماذا تهم المرونة النفسية الرفاه؟
رأى كاشدان وروتنبرغ (Kashdan & Rottenberg, 2010) أن المرونة النفسية جانب أساسي من جوانب الصحة. وأشارا إلى أن عمليات المرونة هذه تغيب في كثير من أشكال الصعوبات النفسية.
تكتسب المرونة أهمية خاصة حين تكون الحياة غامضة أو مرهقة. تتناول أبحاث الدكتورة سولماز دهقاني المرونة النفسية بوصفها متغيرًا معدِّلًا، أي عاملًا قد يغيّر قوة ارتباط الضغوط، مثل عدم تحمّل عدم اليقين أو الكمالية، بالضيق النفسي والرفاه. وتشمل دراساتها المشتركة أبحاثًا مع طالبات جامعيات ومع نساء يخضعن لعلاج أطفال الأنابيب ومع العاملين في التمريض. يمكنك الاطلاع عليها في صفحة المنشورات.
هل يمكن تعلّم المرونة النفسية؟
يقوم العلاج بالقبول والالتزام على فكرة أن المرونة تتعزز بالممارسة (Hayes et al., 2006). وقد اختُبر هذا العلاج على نطاق واسع. فقد وجدت مراجعة لعشرين تحليلًا تلويًا، شملت 12,477 مشاركًا، أنه فعّال في جميع الحالات التي دُرست، ومنها القلق والاكتئاب وتعاطي المواد والألم (Gloster et al., 2020).
ويمكن أيضًا دراسة كل عملية على حدة. فللانفصال المعرفي تمرينه الخاص، الوارد في قسم التمرين أدناه. كما دُرست القيم خارج إطار هذا العلاج أيضًا.
دراسة
في تجربة مخبرية، أكمل 85 مشاركًا إما مهمة لتأكيد القيم، تأمّلوا فيها قيمهم الشخصية، وإما مهمة ضابطة. ثم خاضوا موقفًا ضاغطًا في المختبر. وأظهر من أكّدوا قيمهم استجابة أقل بدرجة دالة في هرمون الكورتيزول للضغط مقارنة بالمجموعة الضابطة (Creswell et al., 2005). تنتمي هذه الدراسة إلى علم النفس الاجتماعي لا إلى العلاج بالقبول والالتزام، لكنها تشير إلى أن التأمل فيما يهمّنا قد يغيّر استجابة الجسد للضغط.
هل تعني المرونة تحمّل كل شيء؟
لا. تشمل المرونة إدراك ما يتطلبه الموقف وتغيير الاستراتيجية حين لا تنجح الاستراتيجية الحالية (Kashdan & Rottenberg, 2010). ويتساءل الباحثان نفساهما عمّا إذا كانت أي طريقة لتنظيم الانفعالات مفيدة في كل المواقف، أم أن فائدتها تتوقف على الموقف وعلى قيمنا وأهدافنا.
وفي دراسة مركز خدمة العملاء، كان التحكم الأكبر في العمل أكثر فائدة لمن لديهم مستوى أعلى من القبول (Bond & Bunce, 2003). فقد عمل القبول إلى جانب التحكم في العمل، لا بديلًا عنه.
قبول الشعور ليس هو قبول الموقف.
إذا كنت في موقف غير آمن، أو كان ضيقك شديدًا، فإن تمرين المساعدة الذاتية لا يكفي. يُرجى التحدث مع مختص مؤهل.
تمرين: تكرار كلمة واحدة
من أقدم تمارين الانفصال المعرفي المُختبَرة تمرين وصفه عالم النفس إدوارد تيتشنر قبل نحو 90 عامًا من دراسته: تكرار كلمة واحدة بسرعة (Masuda et al., 2004).
في سلسلة من ثماني تجارب من نوع الحالة الواحدة، خفّف تكرار صيغة من كلمة واحدة لفكرة سلبية عن الذات كلًّا من الانزعاج من تلك الفكرة وقابلية تصديقها أكثر من مهمة إلهاء أو مهمة للتحكم في الفكرة (Masuda et al., 2004). ووجدت دراسة عشوائية مع طلاب جامعيين الأفضلية نفسها مقارنة بإلهاء الفكر، بما في ذلك لدى مشاركين لديهم أعراض اكتئاب مرتفعة (Masuda et al., 2010).
وغيّرت دراسة أخرى مدة تكرار الكلمة. فبلغ الأثر في الانزعاج حدّه بعد 3 إلى 10 ثوانٍ، والأثر في قابلية التصديق بعد 20 إلى 30 ثانية (Masuda et al., 2009).
تمرين
- اختر فكرة واحدة. اختر فكرة سلبية عن نفسك تزعجك، ولخّصها في كلمة واحدة.
- لاحظها. لاحظ مقدار انزعاجك من الفكرة الآن ومدى تصديقك لها.
- كرّر الكلمة. قل الكلمة بصوت مسموع، بسرعة ومرارًا وتكرارًا، لمدة 20 إلى 30 ثانية تقريبًا.
- لاحظها مجددًا. لاحظ الآن مقدار الانزعاج الذي تسببه الفكرة ومدى قابليتها للتصديق.
(أسلوب تكرار الكلمة كما اختبره Masuda et al., 2004, 2009.)
ليس الهدف التخلص من الفكرة. فالانفصال المعرفي يغيّر السياق الذي تظهر فيه الفكرة، بدلًا من محاولة تغيير شكلها أو عدد مرات ظهورها (Masuda et al., 2004). وكانت هذه الدراسات تجارب مخبرية قصيرة، لذا تعامل مع التمرين بوصفه طريقة للتدرّب على الملاحظة، لا علاجًا. وإن جعلك تشعر بسوء أكبر، فتوقف عنه وتحدّث مع مختص.
سؤالان للتأمل:
- ما الفكرة عن نفسك التي تظهر أكثر من غيرها حين تشتد الأمور؟
- حين تخفّ قبضة هذه الفكرة، ما الخطوة التي ستتخذها بما ينسجم مع ما يهمّك؟
أسئلة شائعة
هل المرونة النفسية هي نفسها الصمود؟
بينهما صلة وثيقة. فقد ظهرت أبحاث المرونة النفسية تحت أسماء عدة، منها «صمود الأنا» (ego-resiliency)، وتوسّع أبحاث العلاج بالقبول والالتزام ذلك المفهوم الأقدم (Kashdan & Rottenberg, 2010). وتركّز المرونة النفسية على طريقة تعاملنا مع الأفكار والمشاعر في اللحظة، مع التصرف وفق قيمنا (Hayes et al., 2006).
هل المرونة النفسية هي نفسها التفكير الإيجابي؟
لا. يصف كاشدان وروتنبرغ (Kashdan & Rottenberg, 2010) الأشخاص المرنين بأنهم يعتمدون على قيم ذات معنى شخصي لتوجيه قراراتهم، بدلًا من استنزاف طاقتهم في السعي إلى «المزيج المثالي» من الأفكار والمشاعر الإيجابية والسلبية.
متى ينبغي طلب المساعدة؟
إذا كان التجنب أو القلق أو انخفاض المزاج يحدّ من عملك أو علاقاتك أو نومك، فإن التحدث مع مختص مؤهل قد يساعدك.
المراجع
- Bond, F. W., & Bunce, D. (2003). The role of acceptance and job control in mental health, job satisfaction, and work performance. Journal of Applied Psychology, 88(6), 1057-1067. https://doi.org/10.1037/0021-9010.88.6.1057
- Creswell, J. D., Welch, W. T., Taylor, S. E., Sherman, D. K., Gruenewald, T. L., & Mann, T. (2005). Affirmation of personal values buffers neuroendocrine and psychological stress responses. Psychological Science, 16(11), 846-851. https://doi.org/10.1111/j.1467-9280.2005.01624.x
- Gloster, A. T., Walder, N., Levin, M. E., Twohig, M. P., & Karekla, M. (2020). The empirical status of acceptance and commitment therapy: A review of meta-analyses. Journal of Contextual Behavioral Science, 18, 181-192. https://doi.org/10.1016/j.jcbs.2020.09.009
- Hayes, S. C., Luoma, J. B., Bond, F. W., Masuda, A., & Lillis, J. (2006). Acceptance and commitment therapy: Model, processes and outcomes. Behaviour Research and Therapy, 44(1), 1-25. https://doi.org/10.1016/j.brat.2005.06.006
- Kashdan, T. B., & Rottenberg, J. (2010). Psychological flexibility as a fundamental aspect of health. Clinical Psychology Review, 30(7), 865-878. https://doi.org/10.1016/j.cpr.2010.03.001
- Masuda, A., Hayes, S. C., Sackett, C. F., & Twohig, M. P. (2004). Cognitive defusion and self-relevant negative thoughts: Examining the impact of a ninety year old technique. Behaviour Research and Therapy, 42(4), 477-485. https://doi.org/10.1016/j.brat.2003.10.008
- Masuda, A., Hayes, S. C., Twohig, M. P., Drossel, C., Lillis, J., & Washio, Y. (2009). A parametric study of cognitive defusion and the believability and discomfort of negative self-relevant thoughts. Behavior Modification, 33(2), 250-262. https://doi.org/10.1177/0145445508326259
- Masuda, A., Twohig, M. P., Stormo, A. R., Feinstein, A. B., Chou, Y.-Y., & Wendell, J. W. (2010). The effects of cognitive defusion and thought distraction on emotional discomfort and believability of negative self-referential thoughts. Journal of Behavior Therapy and Experimental Psychiatry, 41(1), 11-17. https://doi.org/10.1016/j.jbtep.2009.08.006