ما الذي يجعل الانتظار مرهقًا إلى هذا الحد: الخبر السيئ نفسه، أم عدم المعرفة؟
في دراسة مخبرية، لعب 45 بالغًا لعبة تعلّم. في كل جولة كانوا يرون إحدى صخرتين ويخمّنون ما إذا كان تحتها ثعبان. وكان كل ثعبان يقترن بصدمة كهربائية مؤلمة في اليد، فيما كانت الاحتمالات الكامنة وراء كل صخرة تتغير باستمرار. رفعت الصدمات مستوى الضغط النفسي، لكن عدم اليقين فعل ذلك أيضًا: فقد ارتفعت تقديرات المشاركين للضغط وحجم حدقة العين والتوصيل الكهربائي للجلد وانخفضت تبعًا لمدى عدم القدرة على توقّع النتيجة، وبلغ عدم اليقين ذروته حين بدا وجود الثعبان وغيابه متساويين في الاحتمال (de Berker et al., 2016).
لم يتبع الضغط النفسي الصدمات وحدها، بل تبع عدم المعرفة أيضًا.
يجد بعض الناس هذه الحالة من عدم المعرفة صعبة الاحتمال على نحو خاص، ويطلق علماء النفس على ذلك اسم «عدم تحمّل عدم اليقين». يشرح هذا المقال ماهيته، وكيف يظهر في الحياة اليومية، وما تُظهره أبحاث العلاج، ويقدّم أسلوبًا مُختبَرًا يمكنك تجربته.
ما هو عدم تحمّل عدم اليقين؟
تعريف
عدم تحمّل عدم اليقين عجز نزوعي عن احتمال الاستجابة المزعجة التي تنشأ عند غياب معلومات أساسية (Carleton, 2016).
بعبارة أخرى، تُختبَر المواقف الغامضة بوصفها مهدِّدة ويصعب احتمالها، حتى عندما يكون احتمال النتيجة السيئة ضئيلًا.
وقد دُرس هذا المفهوم أولًا في علاقته بالقلق والتفكير المفرط (Freeston et al., 1994)، ويُنظر إليه اليوم بوصفه عاملًا مهمًا في اضطرابات القلق وانخفاض المزاج وصعوبات أخرى (Carleton, 2016).
هل يزيد فعلًا من القلق؟
أن يظهر أمران معًا لا يكشف أيّهما يأتي أولًا. وقد اختبرت تجربة مبكرة هذا السؤال بتغيير عدم تحمّل عدم اليقين تغييرًا مباشرًا.
دراسة
استخدم الباحثون مهمة مراهنة لرفع عدم تحمّل عدم اليقين لدى مجموعة من 21 مشاركًا وخفضه لدى مجموعة أخرى من 21 مشاركًا. وبعد ذلك، أفاد المشاركون الذين رُفع لديهم عدم تحمّل عدم اليقين بقلق أكبر مقارنة بمن خُفض لديهم (Ladouceur et al., 2000). ورأى الباحثون في ذلك دليلًا أوليًا على أن لعدم تحمّل عدم اليقين دورًا سببيًا في القلق.
كانت المجموعتان صغيرتين والتغيير قصير الأمد، لذا فهذه خطوة أولى وليست برهانًا نهائيًا. لكنها تشير إلى أن طريقة تعاملنا مع عدم اليقين قد تغذّي القلق، لا أن تنتج عنه فحسب.
كيف يظهر في الحياة اليومية؟
من الاستجابات الشائعة لعدم اليقين البحثُ عن مزيد من المعلومات.
في تجربة شملت 153 طالبًا جامعيًا، دفع الباحثون بعض المشاركين إلى الاعتقاد بأن لديهم عدم تحمّل مرتفعًا لعدم اليقين، ثم قدّموا للجميع معلومات عن عدوى وهمية صيغت بدرجة أعلى أو أدنى من الغموض. وكان الطلاب في حالة عدم التحمّل المرتفع والغموض المرتفع الأكثر بحثًا عن المعلومات، والأكثر قلقًا أيضًا بسبب عدم اليقين (Rosen & Knäuper, 2009).
ويصف الباحثون الذين يعالجون القلق المفرط عادات أخرى للسعي إلى اليقين يسمّونها «سلوكيات الأمان»، مثل طلب الطمأنة من الآخرين أو الإفراط في التحضير لمهمة ما. وقد يؤدي القلق نفسه الوظيفة ذاتها، لأن استعراض كثير من النتائج السيئة المحتملة قد يجعل المستقبل يبدو أقل غموضًا (Dugas et al., 2022).
تمنح عادات السعي إلى اليقين راحة قصيرة الأمد، لكنها تحول دون أن تتعلّم أنك قادر على التعايش مع عدم المعرفة (Dugas et al., 2022). ومع الوقت، يُبقي ذلك عدم تحمّل عدم اليقين قائمًا.
ما الصلة بين عدم اليقين والضغط النفسي والمرونة؟
تتناول أبحاث الدكتورة سولماز دهقاني عدم تحمّل عدم اليقين إلى جانب المرونة النفسية. وقد درست أبحاثها المشتركة الدور المعدِّل للمرونة النفسية في العلاقة بين عدم تحمّل عدم اليقين والازدهار النفسي، وفي العلاقة بين عدم تحمّل عدم اليقين والضغط النفسي المُدرَك لدى النساء اللواتي يخضعن لعلاج أطفال الأنابيب. كما تناولت دراسة أخرى الدور الوسيط لعدم تحمّل عدم اليقين بين الكمالية والأعراض الاكتئابية لدى الطالبات الجامعيات. اطّلع على القائمة الكاملة في صفحة المنشورات.
هل يمكن أن يتغيّر عدم تحمّل عدم اليقين؟
نعم. وجد تحليل تلوي لـ 28 تجربة عشوائية مضبوطة أن العلاجات القائمة على الأدلة للاضطرابات المرتبطة بالقلق كان لها أثر كبير في عدم تحمّل عدم اليقين مقارنة بالمجموعات الضابطة. وارتبط التحسّن في عدم تحمّل عدم اليقين بالتحسّن في شدة الأعراض، وفسّر 36% من تباينها (Miller & McGuire, 2023).
وتركّز بعض العلاجات على عدم اليقين وحده. ويتألف أحد هذه البروتوكولات من ثلاثة أجزاء على مدى 12 جلسة: التعرّف إلى عدم اليقين والانتباه إلى استجاباتنا له، والتجارب السلوكية، والوقاية من الانتكاس. وفي أول اختبار له مع سبعة أشخاص مصابين باضطراب القلق المعمّم (GAD)، انخفضت الأعراض وعدم تحمّل عدم اليقين انخفاضًا ملحوظًا، واستمرت هذه المكاسب عمومًا بعد ستة أشهر (Hebert & Dugas, 2019).
دراسة
في تجربة عشوائية، تلقّى 60 بالغًا مصابًا باضطراب القلق المعمّم إما 12 جلسة أسبوعية مدة كل منها ساعة من «التجارب السلوكية لعدم تحمّل عدم اليقين»، وإما وُضعوا على قائمة انتظار. وتحسّنت مجموعة العلاج أكثر من مجموعة الانتظار في شدة اضطراب القلق المعمّم والقلق والاكتئاب والأعراض الجسدية للقلق وعدم تحمّل عدم اليقين. واستمرت المكاسب أو ازدادت خلال متابعة امتدت 12 شهرًا (Dugas et al., 2022).
متى لا تكفي المساعدة الذاتية؟
أُجريت التجارب السلوكية في هذه الدراسات بمرافقة معالج، وعلى مدى عدة أسابيع، ومع بالغين شُخّصوا باضطراب القلق المعمّم (Dugas et al., 2022; Hebert & Dugas, 2019). فالتجربة الواحدة في المنزل وسيلة للتدرّب، وليست علاجًا.
إذا كان القلق يستهلك جزءًا كبيرًا من يومك، أو يضطرب بسببه نومك، أو يعيقك عن عملك وعلاقاتك، فيُرجى التحدث مع مختص مؤهل.
تمرين: تجربة سلوكية مع عدم اليقين
تطلب منك التجربة السلوكية أن تضع توقعًا محددًا قبل دخول موقف غامض، ثم تقارنه بما يحدث فعلًا (Dugas et al., 2022). والهدف أن تتعلّم شيئًا جديدًا عن عدم اليقين من خلال التجربة المباشرة.
في تلك التجربة العشوائية، تعلّم المشاركون أولًا أن القلق والتوتر وسلوكيات الأمان استجابات طبيعية لعدم اليقين، وبدأوا في رصد استجاباتهم. ثم أجروا سلسلة من التجارب، واحدة تلو الأخرى (Dugas et al., 2022).
تمرين
- اختر اعتقادًا لاختباره. اختر اعتقادًا محددًا عن عدم اليقين. ومن أمثلة تلك التجربة: «عدم اليقين في العمل يجعل الإنتاجية مستحيلة».
- صمّم التجربة. خطّط بالتفصيل لموقف يختبر هذا الاعتقاد من خلال التخلّي عن إحدى عادات السعي إلى اليقين. وفي مثال تلك التجربة، تولّى الشخص مسؤوليات جديدة في العمل كان يتجنّبها من قبل.
- ضع توقعين. اكتب ما تظن أنه سيحدث، وما تظن أنك ستشعر به.
- نفّذها وراقب. أجرِ التجربة ودوّن ما حدث فعلًا وما شعرت به فعلًا.
- قارن وتأمّل. ضع توقعاتك إلى جانب النتيجة، واكتب ما تعلّمته عن عدم اليقين وعن قدرتك على التعايش معه.
(خطوات مأخوذة من علاج «التجارب السلوكية لعدم تحمّل عدم اليقين» كما وصفه Dugas et al., 2022.)
ابدأ بتجربة صغيرة تكون نتيجتها الواقعية آمنة. وإن زادت تجربةٌ ما من ضيقك كثيرًا، فتوقف عنها وناقشها مع مختص.
سؤالان للتأمل:
- أيّ عادات السعي إلى اليقين تلجأ إليها أكثر من غيرها: طلب الطمأنة، أم البحث عن مزيد من المعلومات، أم الإفراط في التحضير؟
- في تجربتك، ما مدى قرب ما توقعته مما حدث فعلًا؟
أسئلة شائعة
هل عدم تحمّل عدم اليقين اضطراب قلق؟
لا. إنه ميل نزوعي وليس تشخيصًا (Carleton, 2016)، لكنه قد يزيد احتمال القلق والتفكير المفرط أو شدتهما، وله دور أساسي في اضطراب القلق المعمّم (Dugas et al., 2022).
هل البحث عن المعلومات مشكلة دائمًا؟
لا. في تجربة العدوى الوهمية، بحث الطلاب ذوو عدم التحمّل المرتفع لعدم اليقين عن معلومات أكثر، وهو ما قد يدعم سلوكيات صحية مفيدة مثل نية إجراء الفحص، لكنهم شعروا أيضًا بقلق أكبر (Rosen & Knäuper, 2009). والسؤال هو: هل يساعدك البحث عن المعلومات على الفعل، أم أنه يُبقي القلق مستمرًا فحسب؟
هل يساعد الإرشاد النفسي؟
نعم. تخفّف علاجات الاضطرابات المرتبطة بالقلق من عدم تحمّل عدم اليقين (Miller & McGuire, 2023)، وقد اختُبر علاج مركّز قائم على التجارب السلوكية في تجربة عشوائية (Dugas et al., 2022). كما وُجد أن العلاج بالقبول والالتزام (ACT) فعّال في القلق والاكتئاب في مراجعة لعشرين تحليلًا تلويًا (Gloster et al., 2020).
المراجع
- Carleton, R. N. (2016). Into the unknown: A review and synthesis of contemporary models involving uncertainty. Journal of Anxiety Disorders, 39, 30-43. https://doi.org/10.1016/j.janxdis.2016.02.007
- de Berker, A. O., Rutledge, R. B., Mathys, C., Marshall, L., Cross, G. F., Dolan, R. J., & Bestmann, S. (2016). Computations of uncertainty mediate acute stress responses in humans. Nature Communications, 7, 10996. https://doi.org/10.1038/ncomms10996
- Dugas, M. J., Sexton, K. A., Hebert, E. A., Bouchard, S., Gouin, J.-P., & Shafran, R. (2022). Behavioral experiments for intolerance of uncertainty: A randomized clinical trial for adults with generalized anxiety disorder. Behavior Therapy, 53(6), 1147-1160. https://doi.org/10.1016/j.beth.2022.05.003
- Freeston, M. H., Rhéaume, J., Letarte, H., Dugas, M. J., & Ladouceur, R. (1994). Why do people worry? Personality and Individual Differences, 17(6), 791-802. https://doi.org/10.1016/0191-8869(94)90048-5
- Gloster, A. T., Walder, N., Levin, M. E., Twohig, M. P., & Karekla, M. (2020). The empirical status of acceptance and commitment therapy: A review of meta-analyses. Journal of Contextual Behavioral Science, 18, 181-192. https://doi.org/10.1016/j.jcbs.2020.09.009
- Hebert, E. A., & Dugas, M. J. (2019). Behavioral experiments for intolerance of uncertainty: Challenging the unknown in the treatment of generalized anxiety disorder. Cognitive and Behavioral Practice, 26(2), 421-436. https://doi.org/10.1016/j.cbpra.2018.07.007
- Ladouceur, R., Gosselin, P., & Dugas, M. J. (2000). Experimental manipulation of intolerance of uncertainty: A study of a theoretical model of worry. Behaviour Research and Therapy, 38(9), 933-941. https://doi.org/10.1016/S0005-7967(99)00133-3
- Miller, M. L., & McGuire, J. F. (2023). Targeting intolerance of uncertainty in treatment: A meta-analysis of therapeutic effects, treatment moderators, and underlying mechanisms. Journal of Affective Disorders, 341, 283-295. https://doi.org/10.1016/j.jad.2023.08.132
- Rosen, N. O., & Knäuper, B. (2009). A little uncertainty goes a long way: State and trait differences in uncertainty interact to increase information seeking but also increase worry. Health Communication, 24(3), 228-238. https://doi.org/10.1080/10410230902804125