هل يمكن لثلاثة أشهر من التدرّب على رمي الكرات والتقاطها أن تغيّر دماغ شخص بالغ؟
صوّر الباحثون أدمغة بالغين قبل أن يتدرّبوا على رمي الكرات والتقاطها ثلاثة أشهر وبعد ذلك. فزادت المادة الرمادية في مناطق دماغية تشارك في معالجة الحركة البصرية. وبعد ثلاثة أشهر أخرى من دون تدريب، تراجعت هذه الزيادة جزئيًا (Draganski et al., 2004).
الدماغ يستجيب لما نكرّر فعله، وبعض هذه التغيّرات يخفت حين نتوقّف عن الممارسة.
وتُسمّى قدرة الدماغ على التغيّر «المرونة العصبية» أو «اللدونة العصبية». وهي مرتبطة بالمرونة النفسية، لكنهما ليسا الشيء نفسه. يشرح هذا المقال المفهومين، وما تُظهره الأبحاث وما لا تُظهره، ويقدّم طريقة مختبرة للتدرّب على استجابة مختلفة.
ما هي المرونة العصبية؟
تعريف
المرونة العصبية هي قدرة الدماغ على التغيّر البنيوي والوظيفي استجابةً للتجربة والتعلّم والممارسة. ويصف الباحثون هذه اللدونة بأنها خاصية أصيلة في الجهاز العصبي تستمر طوال الحياة (Pascual-Leone et al., 2005).
أظهرت دراسة رمي الكرات تغيّرًا خلال بضعة أشهر. ودرست دراسة شهيرة أخرى ما يحدث بعد سنوات من الممارسة.
دراسة
قارن الباحثون صور الدماغ لدى سائقي سيارات الأجرة المرخّصين في لندن، الذين أمضوا سنوات في تعلّم التنقّل في المدينة، بصور الدماغ لدى أشخاص لا يقودون سيارات أجرة. فكان لدى السائقين حُصين خلفي أكبر، وهو منطقة تشارك في الذاكرة المكانية. وارتبط حجم الحُصين بمدة عملهم سائقين (Maguire et al., 2000).
تشير الدراستان إلى الاتجاه نفسه: الدماغ يستجيب لما نكرّر فعله. كما تُظهران أن التغيير يحتاج إلى وقت وممارسة.
ما هي المرونة النفسية؟
تعريف
المرونة النفسية هي القدرة على البقاء على تواصل مع الأفكار والمشاعر الصعبة دون أن نخضع لسيطرتها بالكامل، مع اختيار أفعال تتوافق مع قيمنا (Hayes et al., 2006).
وهي تصف طريقة في الاستجابة، لا بنيةً في الدماغ.
ما الفرق بينهما، وما الذي يربط بينهما؟
| المرونة العصبية | المرونة النفسية | |
|---|---|---|
| ماذا تصف | قدرة الدماغ على التغيّر بفعل التجربة | طريقة استجابتنا للأفكار والمشاعر |
| المستوى | بنية الدماغ ووظائفه | السلوك والتجربة الداخلية |
| كيف تُدرس | بأساليب علم الأعصاب مثل التصوير الدماغي | بالتقييم النفسي والاختيارات اليومية |
تكمن الصلة بينهما في الممارسة. لا نستطيع دائمًا أن نختار الأفكار التي تخطر لنا أو المشاعر التي نمرّ بها، لكننا نستطيع أن نتدرّب على طريقة استجابتنا لها.
وفي كل مرة نواجه فيها تجربة صعبة بدل تجنّبها، أو نتخذ قرارًا يتوافق مع قيمنا بدل ردّ الفعل التلقائي، فإننا نتدرّب على نمط جديد. وتكرار هذه الممارسة هو الطريق الذي يحدث به التعلّم، والتعلّم هو ما تجعله المرونة العصبية ممكنًا.
هل يمكن لخطة بسيطة أن تغيّر طريقة استجابتنا؟
من الطرق المختبرة جيدًا للتدرّب على استجابة جديدة ما يُسمّى «نيّة التنفيذ»: خطة تحدّد مسبقًا متى وأين وكيف ستتصرف، على هذا النحو: «إذا حدث الموقف الفلاني، فسوف أفعل كذا».
وقد وجد تحليل تلوي شمل 94 اختبارًا مستقلًا أن إضافة خطط «إذا، فسوف» هذه إلى هدفٍ ما كان لها أثر متوسط إلى كبير في بلوغه. فقد ساعدت هذه الخطط الناس على البدء في الفعل، وعلى حماية أهدافهم من المؤثرات غير المرغوبة، وعلى جعل الاستجابة المخطّط لها أكثر تلقائية (Gollwitzer & Sheeran, 2006).
ويمكن استخدام خطط «إذا، فسوف» أيضًا مع ردود الفعل الانفعالية.
دراسة
شاهدت طالبات جامعيات لديهن خوف شديد من العناكب صورًا لعناكب. فاكتفى بعضهن بتذكير أنفسهن بهدف عدم الخوف، وأضافت أخريات خطة «إذا، فسوف»، مثل «إذا رأيت عنكبوتًا، فسأبقى هادئة ومسترخية» أو «فسوف أتجاهله». ولم تُفِد بانخفاض الخوف إلا الطالبات اللواتي وضعن خطة «إذا، فسوف»، وكانت تقييماتهن مشابهة لتقييمات طالبات لا يخفن من العناكب. وفي دراسة ثالثة، أظهر تسجيل نشاط الدماغ (EEG) استجابةً بصرية مبكرة أصغر لصور العناكب لدى المجموعة التي وضعت خطة «التجاهل» (Schweiger Gallo et al., 2009).
كانت هذه آثارًا مخبرية قصيرة المدى في نشاط الدماغ، لا تغيّرات دائمة في بنيته. لكنها تُظهر أن الاستجابة المخطّط لها يمكن أن تغيّر ردّ فعلنا في اللحظة نفسها.
لماذا ينبغي الحذر من ادعاءات «إعادة برمجة الدماغ»؟
كثيرًا ما يُبالغ في الحديث عن المرونة العصبية، فوعود مثل «أعد برمجة دماغك في 21 يومًا» تتجاوز الأدلة بكثير.
وتوضّح أبحاث اليقظة الذهنية سبب الحاجة إلى الحذر. فقد أفادت دراسة مبكرة بزيادة كثافة المادة الرمادية بعد دورة يقظة ذهنية مدتها ثمانية أسابيع (Hölzel et al., 2011). لكن تحليلًا لاحقًا جمع تجربتين عشوائيتين محكمتين، شملتا 218 مشاركًا، لم يجد دليلًا على تغيّرات بنيوية في الدماغ بعد برنامج من النوع نفسه (Kral et al., 2022).
كما أن تغيير العادات اليومية يستغرق وقتًا أطول مما توحي به هذه الوعود. ففي دراسة شملت 96 متطوعًا كرّروا يوميًا سلوكًا اختاروه في الأكل أو الشرب أو النشاط البدني في السياق نفسه، تراوح الوقت اللازم لكي يقترب السلوك من ذروة تلقائيته بين 18 و254 يومًا (Lally et al., 2010).
التغيير حقيقي، لكنه يكون عادةً تدريجيًا ويختلف من شخص إلى آخر.
ولا يعني ذلك أن الممارسة بلا فائدة، فقد يشعر الناس بتحسّن ويؤدّون بشكل أفضل دون أن يظهر تغيير في صور الدماغ. ومقدار التغيّر يعتمد على نوع الممارسة ومقدارها.
تمرين: خطة «إذا، فسوف» للحظة صعبة واحدة
في إحدى التجارب، طُلب من طلاب جامعيين أن يكتبوا تقريرًا خلال عطلة عيد الميلاد. واختار نصفهم، إضافةً إلى ذلك، وقتًا ومكانًا محدّدين لبدء الكتابة، وتخيّلوا تلك اللحظة، والتزموا في سرّهم باغتنامها. ومن بين الطلاب الذين أعادوا التقرير، كتب أصحاب الخطة تقاريرهم في المتوسط بعد 2.3 يوم من ليلة عيد الميلاد، مقابل 7.7 يوم لدى من لم يضعوا خطة (Gollwitzer & Brandstätter, 1997).
تمرين
- سمِّ الهدف. اختر هدفًا واحدًا يهمّك، وصُغه على هذا النحو: «أنوي أن…»
- حدّد الموقف. حدّد بأدق ما تستطيع متى وأين تظهر الفرصة أو الصعوبة عادةً.
- اربط الموقف باستجابة. اكتب جملة واحدة: «إذا [الموقف]، فسوف [الاستجابة].» وفي حالة الشعور الصعب، يمكن أن تكون الاستجابة طريقةً في ردّ الفعل، مثل البقاء هادئًا.
- تخيّله والتزم به. تخيّل الموقف، وقل لنفسك في سرّك إنك ستتصرف وفق الخطة حين يأتي.
- كرّر في السياق نفسه. نفّذ الاستجابة في كل مرة يتكرّر فيها الموقف. وتفويت فرصة واحدة لا يُفسد العملية.
(التخطيط بصيغة «إذا، فسوف» كما وصفه Gollwitzer & Brandstätter, 1997 وGollwitzer & Sheeran, 2006 وSchweiger Gallo et al., 2009؛ والتكرار في سياق ثابت مأخوذ من Lally et al., 2010.)
ومن منظور العلاج بالقبول والالتزام، يمكن أن يكون جزء «فسوف» خطوة صغيرة نحو شيء تقدّره، وهو ما يسمّيه هذا العلاج «الفعل الملتزم» (Hayes et al., 2006). وهذا الربط طريقة لوصل الفكرتين، لا إجراءً مختبرًا من إجراءات هذا العلاج. وإذا كانت الصعوبة التي تريد العمل عليها شديدة أو قديمة، فضع الخطة بمساعدة مختص.
سؤالان للتأمل:
- في أي موقف يسيطر ردّ فعلك التلقائي أكثر من غيره؟
- ما الاستجابة الواحدة التي، إن تدرّبت عليها في ذلك الموقف، تقرّبك مما يهمّك؟
لا يبدأ التغيير دائمًا بتحوّل كبير، فأحيانًا يبدأ باستجابة مختلفة.
أسئلة شائعة
هل يستطيع دماغ البالغين أن يتغيّر؟
نعم. تستمر اللدونة العصبية طوال الحياة (Pascual-Leone et al., 2005)، وإن كان مقدار التغيّر وسرعته يختلفان بحسب العمر والصحة ونوع الممارسة.
هل يغيّر الإرشاد والعلاج النفسي الدماغ؟
كل تعلّم يشمل الدماغ، والعلاج النفسي شكل من أشكال التعلّم. غير أن الأبحاث التي تربط علاجات محددة بتغيّرات دماغية محددة ما زالت في طور التطور، لذا من الأنفع التركيز على التغيّرات التي تلاحظها في حياتك اليومية: كيف تستجيب، وما الذي صرت تتجنّبه أقل، وما الذي صرت تفعله أكثر.
المراجع
- Draganski, B., Gaser, C., Busch, V., Schuierer, G., Bogdahn, U., & May, A. (2004). Changes in grey matter induced by training. Nature, 427(6972), 311-312. https://doi.org/10.1038/427311a
- Gollwitzer, P. M., & Brandstätter, V. (1997). Implementation intentions and effective goal pursuit. Journal of Personality and Social Psychology, 73(1), 186-199. https://doi.org/10.1037/0022-3514.73.1.186
- Gollwitzer, P. M., & Sheeran, P. (2006). Implementation intentions and goal achievement: A meta-analysis of effects and processes. Advances in Experimental Social Psychology, 38, 69-119. https://doi.org/10.1016/S0065-2601(06)38002-1
- Hayes, S. C., Luoma, J. B., Bond, F. W., Masuda, A., & Lillis, J. (2006). Acceptance and commitment therapy: Model, processes and outcomes. Behaviour Research and Therapy, 44(1), 1-25. https://doi.org/10.1016/j.brat.2005.06.006
- Hölzel, B. K., Carmody, J., Vangel, M., Congleton, C., Yerramsetti, S. M., Gard, T., & Lazar, S. W. (2011). Mindfulness practice leads to increases in regional brain gray matter density. Psychiatry Research: Neuroimaging, 191(1), 36-43. https://doi.org/10.1016/j.pscychresns.2010.08.006
- Kral, T. R. A., Davis, K., Korponay, C., Hirshberg, M. J., Hoel, R., Tello, L. Y., Goldman, R. I., Rosenkranz, M. A., Lutz, A., & Davidson, R. J. (2022). Absence of structural brain changes from mindfulness-based stress reduction: Two combined randomized controlled trials. Science Advances, 8(20), eabk3316. https://doi.org/10.1126/sciadv.abk3316
- Lally, P., van Jaarsveld, C. H. M., Potts, H. W. W., & Wardle, J. (2010). How are habits formed: Modelling habit formation in the real world. European Journal of Social Psychology, 40(6), 998-1009. https://doi.org/10.1002/ejsp.674
- Maguire, E. A., Gadian, D. G., Johnsrude, I. S., Good, C. D., Ashburner, J., Frackowiak, R. S. J., & Frith, C. D. (2000). Navigation-related structural change in the hippocampi of taxi drivers. Proceedings of the National Academy of Sciences, 97(8), 4398-4403. https://doi.org/10.1073/pnas.070039597
- Pascual-Leone, A., Amedi, A., Fregni, F., & Merabet, L. B. (2005). The plastic human brain cortex. Annual Review of Neuroscience, 28, 377-401. https://doi.org/10.1146/annurev.neuro.27.070203.144216
- Schweiger Gallo, I., Keil, A., McCulloch, K. C., Rockstroh, B., & Gollwitzer, P. M. (2009). Strategic automation of emotion regulation. Journal of Personality and Social Psychology, 96(1), 11-31. https://doi.org/10.1037/a0013460